اسماعيل بن محمد القونوي

423

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

على اشتداد القسوتين فلو قيل أقسى لفاتت هذه المبالغة المقصودة فاختير الإطناب وترك الأخصر لتحصيل تلك المبالغة . قوله : ( وأو للتخيير أو للترديد ) يعني أن أو في الأصل وإن كانت للتساوي في الشك لكن اتسع فيها فأطلق للتساوي بلا شك كما نبه عليه المصنف في قوله تعالى : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ [ البقرة : 19 ] الآية وهنا لما استحال حمله على الشك لوقوعه في كلام من لا يخفى عليه خافية حمل أولا على التخيير أي جعل الغير مخيرا بين التشبيهين وثانيا على الترديد أي تجويز الأمرين في نفس الأمر مع قطع النظر عن الغير والقول بأن الشك ليس معنى أصليا لكلمة أو فمخالف لما اختاره المصنف في قوله تعالى : أَوْ كَصَيِّبٍ [ البقرة : 19 ] الآية كما مرّ نعم ذلك مختار صاحب التوضيح ومن تبعه . قوله : ( بمعنى أن من عرف حالها شبهها بالحجارة ) بيان لكون أو للتخيير ومعنى الترديد هنا كما بينا راجع إلى معنى التخيير ولهذا جمع بينهما في تقرير المعنى وإن كان ظاهره بيان معنى التخيير وليس معنى الترديد هنا الشك بالنسبة إلى السامع لا إليه تعالى حتى يرد الإشكال بأنه هذا يؤدي إلى تجويز أن يكون معاني الحروف بالقياس إلى السامع حتى تستعمل إذا لتحقق المخاطب وهذا إخراج الألفاظ عن أوضاعها فإنها وضعت ليعبر بها المتكلم عما في ضميره ولو جعلت بمعنى بل لكان أحسن كذا نقل عن العلامة قوله وهذا إخراج الألفاظ الخ غريب فإن باب المجاز مفتوح ألا يرى أن لعل قد يحمل على ترجي المخاطب وغير المخاطب وكلمة أن قد يستعمل في كلامه تعالى للشك بالنسبة إلى المخاطب « 1 » ونظائره لا تحصى فلا يعرف وجه هذا الكلام أصلا نعم لا حاجة إلى الحمل على شك السامع بل معنى الترديد ما ذكرناه وهو تجويز الأمرين مع قطع النظر عن الغير ومعنى التخيير هنا ليس التخيير الاصطلاحي الذي يشترط فيه الأمر والنهي وعدم صحة الجمع بين الأمرين بل المراد منه إفادة مطلق التساوي فقط كما أشرنا إليه آنفا وإنما حمل على كونه بمعنى بل لأنه مع كونه خلاف الظاهر يحتاج إلى تقدير مبتدأ أي بل هي أشد قسوة لأنه مخصوص بعطف الجملة . قوله : وأو للتخيير أو الترديد بمعنى أن من عرف حالها الخ لما كان لفظ أو منبئا عن الشك والتردد وهذا لا يصح في شأن علام الغيوب حمل معناه هنا على التخيير أو الترديد بالنسبة إلى من عرف حال قلوبهم فإن من عرف بحالها مخير بين تشبيهها بالحجارة وتشبيهها بشيء هو أقسى من الحجارة أو متردد بين هذين التشبيهين أقول في قوله وأو للتخيير نظر لأن أو إنما تكون للتخيير إذا دخلت على الأمر أو النهي وأما إذا دخلت على الخبر فلا فإنها عند دخولها على الخبر تكون للشك فعند عدم صحة الحمل على الشك يجب التأويل وتأويله ههنا هو الوجه الثاني وهو أن يكون التردد بالنسبة إلى من عرف حالها .

--> ( 1 ) كما صرح به المصنف في قوله تعالى : فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا [ البقرة : 24 ] الآية .